أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

203

الكامل في اللغة والأدب

أحبّ بقاء أو أرجّي سلامة * وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا ربّ سلّم نيّتي وبصيرتي * وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا قوله : وقد قتلوا ولم يذكر أحدا « 1 » ، فإنما فعل ذلك لعلم الناس أنه يعني مخالفيه وإنما يحتاج الضمير إلى ذكر قبله ليعرف . فلو قال رجل : ضربته ، لم يجز ، لأنه لم يذكر أحدا قبل ذكره الهاء . ولو رأيت قوما يلتمسون الهلال فقال قوم : هذا هو ، لم يحتج إلى تقدمة الذكر لأن المطلوب معلوم ، وعلى هذا قال علقمة بن عبدة في افتتاح قصيدته : هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذا نأتك اليوم مصروم لأنه قد علم أنه يريد حبيبة له . وقوله : حيث ألاقي ولم يحرك الياء فقد مضى شرحه مستقصى . ويروى أن رجلا من أصحاب ابن زياد قال : خرجنا في جيش نريد خراسان ، فمررنا باسك فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا ، فصاح بنا أبو بلال : أقاصدون لقتالنا أنتم ؟ وكنت أنا وأخي قد دخلنا زربا « 2 » ، فوقف أخي ببابه فقال : السلام عليكم . فقال مرداس : وعليكم السلام . فقال لأخي : أجئتم لقتالنا ؟ فقال له : لا ، إنما نريد خراسان ، قال : فأبلغوا من لقيكم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروّع أحدا ولكن هربا من الظلم ، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا . ثم قال : أندب إلينا أحد ؟ قلنا : نعم ، أسلم بن زرعة الكلابي ، قال : فمتى ترونه يصل إلينا ؟ قلنا يوم كذا وكذا فقال أبو بلال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ! وجهز عبيد اللّه أسلم بن زرعة في أسرع وقت ووجهه إليهم في ألفين ، وقد تتامّ أصحاب مرداس أربعين رجلا ، فلما صار إليهم أسلم صاح به أبو بلال : اتّق اللّه يا أسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجن فيئا ، فما الذي تريد ؟ قال : أريد أن أردكم إلى بن زياد ، قال مرداس : إذا يقتلنا ، قال : وإن قتلكم ، قال ، تشركه في دمائنا ، قال : إني أدين

--> ( 1 ) ولم يذكر أحدا : يريد أن الضمير المرفوع في الفعل لم يتقدم له مرجع فيعود إليه . ( 2 ) الزرب : جمع زريبة ، مكان يا بنى للغنم .